أبي منصور الماتريدي

514

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ، قال بعضهم « 1 » : بمسلط . وقال بعضهم « 2 » : لست بجبار . فإن أريد به الوجه الأول فهو مما يحتمله ، ويجوز أن يسلط عليهم في أن يؤذن بقتالهم ، وأسرهم وقهرهم ببذل الجزية ؛ ولهذا قيل : إن هذا كان قبل نزول سورة براءة . وإن « 3 » كان تأويله : لست بجبار عليهم ؛ على ما روي عن مجاهد « 4 » ؛ فهذا الوجه مما لا يرد عليه النسخ ، ولا يجوز أن يصير جبارا عليهم ، ولا يكون قوله : إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ استثناء ، ويكون معناه : لكن من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر ، أي : من أعرض عن طاعة الله تعالى وكفر بوحدانية الله تعالى وبكتبه ورسله ، [ فيعذبه الله العذاب ] « 5 » الأكبر . وعلى التأويل الذي قيل : إن المسيطر هو المسلط بالسيف والأسر والقهر بالجزية التي هي صغار عليهم - يكون قوله تعالى : تَوَلَّى وَكَفَرَ على الاستثناء ، أي : من أعرض عن طاعة الله تعالى ، وكفر بوحدانية الله فسيسلط عليهم بالسيف ، والأسر ، وأخذ الجزية . وقيل : إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ، أي : أعرض ، ولزم الإعراض ؛ فيكون مسيطرا عليهم . أو تولى وقت التذكير فسينتصر عليه ، وبالله النجاة . وفي هذه الآية بشارة لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بالظفر على الذين تولوا عن طاعة الله تعالى وكفروا به . وفيه آية رسالته ؛ لأنه قال هذا في وقت ضعفه ، وقلة أنصاره ، وكان الأمر كما قال ؛ إذ نصره الله - تعالى - بالرعب مسيرة شهرين ، وفتحت له الفتوح ؛ ليعلم أنه بالله - تعالى - علم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ، أي : مرجعهم . وقوله : ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ ، أي : من الحكمة أن نحاسبهم ، وإذا كانت الحكمة توجب حسابهم وتعذيبهم ، كان عليه أن يحاسبهم لما في تركه ترك الحكمة ، وفي تركها سفه ، تعالى الله عن ذلك ، وبالله النجاة ، ومنه التوفيق .

--> ( 1 ) قاله الضحاك أخرجه ابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 575 ) وهو قول ابن زيد أيضا . ( 2 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 37047 ) ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 575 ) . ( 3 ) في ب : فإن . ( 4 ) أخرجه ابن جرير ( 37049 ) ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 575 ) . ( 5 ) في ب : فيتعذب العذاب .